الربا الجمعة 14/5/1433هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: فإن الله تعالى قد دعا عباده في كتابه إلى تحصيل الأموال الطيبة والمكاسب النافعة، وحذرهم جلَّ وعلا من المكاسب الخبيثة الفاسدة, فأحلَّ لهم الطيبات، وحرَّم عليهم الخبائث.
وهذا التحليل والتحريم فيه زكاء الناس وصلاحهم، وطيب معاشهم، واجتماع أمرهم وزوال الشّرور عنهم، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة، والمنافع العميمة، التي تترتب على طاعة العباد لله، فيما أحلَّ لهم، وفيما حرَّم عليهم.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن مما حرَّم الله تبارك وتعالى على عباده، بل هو من عظيم المحرمات وكبير الموبقات، ويوجب سخط الربّ سبحانه وغضبه: الرِّبَا، إن الرِّبَا محرَّم في كتاب الله، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وقد أجمعت الأمة على تحريمه، وهو محرم في جميع الشرائع المنـزّلة قبل شرع محمد -عليه الصلاة والسلام.
لقد حرم الله تبارك وتعالى الربا على عباده؛ لعظيم خطره وكبير ضرره، ولما يجلبه للناس من العواقب الوخيمة، والأضرار الأليمة في الدنيا والآخرة، وقد جاءت في كتاب الله، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- أدلة كثيرة تدلُّ على حرمة الربا، وعظيم خطره على الناس في الدنيا والآخرة.
جاءت هذه الأدلة مبينة لتنوع العقوبات للمرابين؛ العقوبات المعجَّلة والعقوبات المؤجَّلة، ومما ورد في الربا من العقوبات ما ذكره الله -جلَّ وعلا- أن المرابي يقوم من قبره يوم القيامة إلى البعث والنشور، والجزاء والحساب، يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يبعث المرابي يوم القيامة كالمجنون الذي يتخبطه الشيطان من المسّ، وذلك في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) [البقرة،:275] فهذه حال المرابي حينما يقوم من قبره إلى الجزاء والحساب ولقاء الله -تبارك وتعالى- على ما قدَّم في هذه الحياة, عياذًا بالله من حاله.
مال الرِّبا ممحوق البركة، لا خير فيه ولا منفعة، بل فيه المضرة على صاحبه في الدّنيا والآخرة، قال الله تعالى: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [البقرة:276]، وتأمَّل هذه الآية (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) ؛ فالربا وإن كثر وزاد في يد صاحبه؛ إلا أنه مال قد محقت بركته، وزالت عنه منفعته، عقاباً للمرابي على مراباته.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن المرابي محارب لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله جلَّ وعلا: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 279]، فوصف جلَّ وعلا المرابي بأنه محارب لله ولرسوله.
ينبغي لكل مرابٍ أن يتأمل هذه الحال الشنيعة, والصفة الفظيعة، التي تبوَّأها بمراباته وأكله للربا، بأن أصبح في هذا المقام وفي هذه الحال والعياذ بالله، بأن وُصف في القرآن بأنه محارب لله ولرسوله.
عقوبة المرابي أنه في النار، قال الله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 275] وهذا كما يذكر أهل العلم إن كان المرابي مستحلاًّ للربا؛ فإن عقوبته النارُ خالداً مخلدا فيها أبد الآباد.
وإن كان ليس مستحلاًّ له؛ فإن عقوبته ووعيدَه نارُ جهنم؛ كما أخبر الله -تبارك وتعالى- بذلك, وقد جاء في ختم بعض آيات الربا قولُ الله جلَّ وعلا: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) [البقرة:276].
ففي هذه الخاتمة وُصف المرابي بثلاث صفات عظيمة؛ الصفة الأولى: أن الله تعالى لا يحبه، والصفة الثانية: أنه كفَّار، وقد قال أهل العلم: "إن كان مستحلاًّ للربا فهو كُفْرٌ ناقل من ملة الإسلام، وإن كان غير مستحلٍّ فهو كُفْرٌ دون كفر"، والصفة الثالثة: أنه أثيم، أي واقع في ذنبٍ وخيمٍ وجرمٍ عظيمٍ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. إن المرابي ملعون بلعنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعن آكل الربا, وموكله, وكاتبه، وشاهديه، وقال عليه الصلاة والسلام: "هم في الإثم سواء".
إن الربا من كبائر الإثم وعظائم الذنوب؛ وقد جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها: آكل الربا"، والأحاديث والآيات في تحريم الربا، وبيان عظم خطورته كثيرة، وأنه من كبائر الإثم وعظائم الذنوب؛ بل ثبت في سنن ابن ماجه وغيره عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الربا ثلاثة وسبعون باباً؛ أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه", والعياذ بالله.
ألا فلنتَّقِ الله -عباد الله- ولنحتط في أموالنا، ولنتَّقِ الله ربَّنا، ولنبتعد عما حرَّم الله جلَّ وعلا؛ فإن في طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- صلاح العباد، وتمام أمرهم وحسن عاقبتهم في الدنيا والآخرة، وقد جاءت الآيات التي في سورة البقرة المبينة لأحكام الربا مختومة بقول الله -تبارك وتعالى-: (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]. وهذه الآية من آخر ما نزل من القرآن، وها هنا يتذكر المؤمن عوده إلى الله -جلَّ وعلا-، ووقوفه يوم القيامة بين يديه، ثم يُوَفِّيه جلّ وعلا ما كسب في هذه الحياة؛ لا يظلم ولا يظلم بين يدي الربَّ العدل -جلَّ وعلا-.
بارك الله لي ولَكم في القرآنِ والسنّة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاتقوا الله عباد الله فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. لقد كان للربا في الجاهلية الأولى مفاسده وشروره، إلا أن الجوانب الشائنة والقبيحة من وجهه لم تكن كلها بادية في مجتمع الجاهلية الأولى كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفةً كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث.
وإن الناظر على مستوى الأفراد والدول يجد مدى الخراب والدمار الذي خلفه التعامل بالربا من الإفلاس والكساد والركود، والعجز عن تسديد الديون، وشلل في الاقتصاد، وارتفاع مستوى البطالة، وانهيار الكثير من الشركات والمؤسسات، وجعل الأموال الطائلة تتركز في أيدي قلة من الناس، ولعل هذا شيء من صور الحرب التي توعد الله بها المتعاملين بالربا، تلك الحرب التي لا تجدي فيها السفن ولا الطائرات، ولا تنفع فيها القنابل ولا الدبابات؛ لأنها حرب مع خالق الأرض والسموات ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ).
إن عقوبة المرابي في الآخرة عظيمة .. جاء في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسبح في نهر من الدم، وكلما أراد أن يخرج من هذا النهر، استقبله رجل على شاطئ النهر، وبين يديه حجارة يرجمه بحجر منها في فمه حتى يرجع حيث كان، فسَأَل عنه فأخبر أنه آكل الربا.
لا يقتصر ضرر المرابي على نفسه فقط .. بل هو سبب للعقوبات العامة ، جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا ظَهَرَ الزِّنَا وَالرِّبَا فِي قَرْيَةٍ، فَقَدْ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عَذَابَ اللَّهِ " أخرجه الحاكم وسنده صحيح.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم .. في خُطبة حجة الوداع التي أوصى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته بأهم الوصايا، قال صلى الله عليه وسلم: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا "، ثم قال صلى الله عليه وسلم: " أَلا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ, لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ, لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ, أَلا يَا أُمَّتَاهُ هَلْ بَلَّغْتُ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: " اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
هذه وصية الوداع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر أيامه، يوصي بها أمته ناصحاً مشفقاً، ويُشهد الله على ذلك؛ فهل تكون أمة محمد صلى الله عليه وسلم مطيعة له وهي تعصيه في آخر وصاياه؟! وماذا تنتظر الأمة إذا عصت هذا الأمر الإلهي وتلك الوصية النبوية؟! هل تنتظر الأمة رفعةً وعزاً وهي تتعامل بالحرام؟! وهل تنتظر أمةٌ رخاءً ونماءً وهي تبيح وتقنن التزود من الآثام ؟!
ألا فاتقوا الله عباد الله، واجتنبوا الحرام، واحذروا الآثام, ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ومن استغنى عن شيء أغناه الله عنه، ومن يستعفف يعفُّه الله ومن يتق الله يرزقه الله: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً )
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة