التنجيم وعلم الغيب الجمعة 18/11/1435هـ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل
فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ
تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ
رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى
تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا
أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم
ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما
بعد: فإن من المسائل الكبرى التي بينها الله
سبحانه وتعالى في كتابه أتم بيان وأوضحه أتم إيضاح، مسألة أن الله سبحانه وتعالى
هو العالم بالغيب وحده، {قل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وٱلأرْضِ
ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل:65]،
وقال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}
[الأنعام:59].
لقد نفى الله عز وجل عن كل أحد مهما علا قدره
معرفته بالغيب إلا بما أطلعه الله عليه، فهؤلاء الملائكة الذين لا يعصون الله
شيئاً، ويفعلون ما يؤمرون، الذين أخلصوا لعبادة الله، هؤلاء نفى الله عنهم علم
الغيب، قال تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى
ٱلْمَلَـٰئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}
[البقرة:31]، ولما كان الملائكة على جانب عظيم من العبادة، والمعرفة بحقوق الرب، وما
يجب له، وما يجوز عليه، ومعرفتهم كذلك بأنفسهم ومقاديرهم {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ
لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}
[البقرة:32، 33].
وهؤلاء
الجن، بين سبحانه وتعالى أنهم لا يعلمون الغيب فقال تعالى في قصة موت سليمان عليه
الصلاة والسلام: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ
مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ
تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى
ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [سبأ:14]، كانت الجن تعمل بين يدي سليمان عليه الصلاة
والسلام ويظنون أنه حي وهو ميت قد فارقت روحه جسده وهم ينظرون إليه ويبصرونه، ومع
ذلك لا يشعرون بأنه قد مات منذ زمان بعيد، وهم يكدحون ويتعبون خائفين منه.
وإذا
كان الملائكة والجن لا يعلمون الغيب، فما هو شأن الإنس وهل يعلمون الغيب؟أم لا؟
هذا سؤال مهم؟
إذا
نظرنا في القرآن نجده لا ينفي علم الغيب عن الإنس فحسب، بل ينفيه تعالى عن خير
خلقه، وهم رسله صلوات الله وسلامه عليهم، {يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ
فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ
ٱلْغُيُوبِ} [المائدة:109]، وقال أول الرسل نوح عليه الصلاة والسلام نافياً عن
نفسه علم الغيب عندما ظن فيه قومه أنه قد يعلم الغيب قال: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ
عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ}
[هود:31]، فهذا أول الرسل ينفي عن نفسه علم الغيب، وهذا آخر الرسل صلى الله عليه
وسلم محمد بن عبد الله يقول: {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ
مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:188]، وقال أيضاً: {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ
بِى وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ
نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف:9]، فهذا حال الرسل أولهم وآخرهم ينفون عن أنفسهم
معرفتهم بعلم الغيب.
ومع
هذا الوضوح الذي جاءت به الآيات القرآنية في نفي علم الغيب عن المخلوقين حتى ولو
كانوا ملائكة أو رسلاً، إلا أنه يوجد من ادعى علم الغيب، وكل من ادعى علم الغيب
فهو كافر بنص القرآن والسنة، فكل من نازع الله في معرفة الغيب كان كافراً مشركاً،
وادعاء علم الغيب ينافي التوحيد بالكلية، وقد عد العلماء الطواغيت وذكروا منهم من
ادعى علم الغيب، ويتخذ ادعاء علم الغيب صوراً وأشكالاً مختلفة، منها ما هو قديم،
ومنها ما هو جديد مستحدث في هذا الزمان، فمن الذين يدعون علم الغيب الكهان،
والعرافون، والمنجمون، والمشعوذون، وأصحاب الكشوفات بزعمهم، وينتشر كثير منهم في
الأماكن العامة في بعض الدول, وفي بعض مدن الألعاب.
ومن
الطرق التي تنتشر أحياناً لمعرفة الغيب والمستقبل قوم من المشعوذين والمبتدعة
يستخدمون حروف "أبجد هوز" ويؤلفون بين الأحرف ويخرجون بخرافات لا تحصى
في هذا الباب، وقوم آخرون يظهر عندهم الخط على الرمل، وآخرون يظهر عندهم قراءة
الفنجان، وقراءة الكف، وكل هؤلاء متلبسون بأحوال كفرية ونزعات شيطانية، والتلازم
كبير بين الكفر وبين تلك الأعمال، وذلك لتضمنه ادعاء معرفة الغيب الذى تفرد به
الله عز وجل، فكيف إذا انضاف إلى ذلك دعاء الجن وعبادتهم أو التلبس ببعض الأحوال
الكفرية الأخرى، وقلّ أن يخلو أحد منهم من شىء من ذلك، وكلما ازداد الكفر في أرض
وتمكن أهله كلما ازدادت هذه الادعاءات في معرفة علم الغيب، وكلما قوي الإيمان
وأهله في أرض كلما انخنس هؤلاء المشعوذون والدجالون.
ومن
أبواب ادعاء علم الغيب في هذا الزمان اتباع المنجمين، فإنهم يعتقدون أن للنجوم
تأثيراً وتصرفاً وأنه يمكن التعرف بحركاتها وأبراجها وسيرها في السماء على ما يحصل
في الأرض من الحوادث ومن السعود والنحوس، والأفراح والأحزان، وهذا هو شرك قوم
إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنهم كانوا يعبدون النجوم ويعتقدون تأثيرها عليهم،
وأنه يمكن معرفة ما سيحصل للإنسان بتعلم منازل الفلك وأبراج النجوم، وهذا شرك خواص
المشركين كما قال ابن القيم، وقد انتشرت صناعة التنجيم في العصر الحديث انتشاراً
كبيراً، وأصبح التنجيم في أغلب صوره وسيلة من وسائل ابتزاز أموال الآخرين، وله
وسائل ساعدت في نشره, فمن ذلك: الصحف والمجلات وغيرها من وسائل الإعلام وهذه من
أوسع طرق نشر التنجيم، ويكون التنجيم عادة في هذه المجلات والصحف تحت عنوان
"الأبراج" أو "أبراج الحظ", ويستخدمون في كتابتها طرق التمويه
والكذب والخداع ويكتفون بالكلام المجمل, فيعلقون قلب القارئ بكلام عام مجمل يصدق
في حق كثير من الناس, فيظن صوابه الجاهل، وتجد الجهلة من المسلمين مولعين بقراءة
هذه الأبراج فيقول: أنا برجي كذا، وولدت في برج كذا، فما هو حظي، وماذا سيحصل لي؟ فيقرأ
هذه الأعمدة في الصحف والمجلات، وهذا حرام لا يجوز, فلا تجوز كتابتها، ولا نشرها، ولا
قراءتها لأنها من أبواب الشرك، حتى لو قال: أقرأها وأنا أعلم أن ما فيها باطل،
وإنما أتسلى، فيقال له: لا يتسلى مؤمن يؤمن بأن الله وحده هو الذي يعلم الغيب،
بمثل هذا الشرك.
ومن
ما شاع في هذه الأزمان نشر وبث البرامج التي تشرح أحوال هؤلاء المنجمين، وطرقهم في
استكشاف الغيب والمستقبل، وهذا مما يؤثر على نفسية مشاهده، فيعتقد صدقهم، خصوصاً
عندما يتربى الصغار على رؤية العراف والدجال وهو أمام بلورة أو مرآة يشاهد فيها ما
يجرى في العالم بزعمه، ويحصل هذا بكثرة في الأفلام التي تعرض للصغار، وهو من تعليم
السحر {ولكن الشياطين كفروا يُعَلّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى
ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ
حَتَّىٰ يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة:102].
بارك
الله لي ولكم بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما
سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد
لله وكفى, وصلاة وسلامًا على عبده المصطفى, وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.
أما
بعد: فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. من وسائل نشر التنجيم، ومشاركة
الله في علم الغيب نشر الكتب التي تعلم هذا الفن، وهي تخبر الإنسان بزعمهم
بمستقبله وغيبه، وتنتشر هذه الكتب في هذا الوقت تحت عناوين، منها كتاب: "حظك
اليوم" ونحو ذلك.. وتصدر الآن بانتظام آلاف الكتب حول العالم في كيفية
الاستفادة من التنجيم في مسائل المال والأعمال والسفر والزواج وغير ذلك، ولا يجوز بحال
من الأحوال قراءة هذه الكتب أو شراؤها أو بيعها، والواجب إتلافها وحرقها.
ومن
وسائلهم وجود معاهد تقوم بتعليم التنجيم، وإعطاء المتعلمين شهادات بذلك على تعلمهم
الكفر، فما أحقر هذه الشهادات، التي لا تعطى لصاحبها إلا إذا تعلم الكفر وتفنن
فيه.
إن
حبيبكم صلى الله عليه وسلم يقول: ((من اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من السحر
زاد ما زاد)) قال ابن تيمية رحمه الله: "فقد صرح رسول الله صلى الله عليه
وسلم بأن علم النجوم من السحر وقد قال تعالى: {وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّـٰحِرُ حَيْثُ
أَتَىٰ} [طه:69]، وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم، لا يفلحون لا
في الدنيا ولا في الآخرة" ا.هـ.
والمنجم
من جنس الكهان والعرافين وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من أتى عرافاً فسأله عن
شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة))، هذا إذا أتى إلى المنجم أو الكاهن أو العراف
الذين يدعون معرفة الغيب فسألهم فقط ولم يصدقهم ((لم تقبل له صلاة أربعين ليلة))..أما
إن صدق المنجمين وأبراج الحظ والنجوم، إذا صدق العرافين والكهان وكل من يدعى علم
الغيب فإنه يكون كافراً بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم, لقوله عليه الصلاة
والسلام: ((من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد))
صلى الله عليه وسلم وإذا كان السائل بهذه الصورة فكيف بالمسؤول، لاشك في كفره
وخروجه عن الملة بإدعائه لعلم الغيب.
أيها
الإخوة .. علينا أن نحذر أسباب الشرك والكفر خصوصاً هذه الأبواب الخطيرة فإن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها النجوم)) وخرج
عليه الصلاة والسلام مرة من المدينة، فالتفت إليها فقال: ((إن الله قد برأ هذه
الجزيرة من الشرك ولكن أخاف أن تضلهم النجوم)), فالحذر الحذر فإن الأمر خطير، وعلى
المؤمن أن يحفظ عقيدته وإيمانه, وماذا عنده أغنى من الإيمان والتوحيد فليحافظ
المؤمن عليه وليعض عليه بالنواجذ.
فاللهم
احفظ علينا أمننا وإيماننا وعقيدتنا, واعصمنا يا ربنا من الشرك والنفاق, الله إنا
نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً ونحن نعلم, ونستغفرك من الذنب الذي لا نعلم.
يا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله
تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا
اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد
الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر
والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه
يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق