الجمعة .. أحكام وآداب الجمعة 16/6/1434هـ
إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله
فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ
ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا
زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيباً}, (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم
ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد:
فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. هذا يوم الجمعة .. هذا يوم مباركة
أوقاته, طيبة ساعاته .
يوم اصطفاه الله من
بين سائر أيام الأسبوع ، وجعل له من الخصائص والمزايا ما شَرُف بها على غيره .
ثبت في الصحيحين عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( نحن الآخِرون الأوَّلون يوم القيامة ، بيد
أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه
فهدانا الله له ، والناس لنا فيه تبع, اليهود غداً والنصارى بعد غد )) .
وروى مالك في الموطأ
بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعا : (( خير يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمعة ، فيه
خلق آدم ، وفيه أهبط وفيه تيب عليه ، وفيه مات ، وفيه تقوم الساعة ، وما من دابة
إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة, إلا الجن
والإنس ، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه )), وبلغ
من فضل هذا اليوم وشرفه أن العلماء قد اختلفوا في المفاضلة بينه وبين يوم عرفة [
الزاد 1/375 ] .
إن النصوص الواردة في
فضائل هذا اليوم أكثر من أن تحصى في مقام كهذا.
فمن ذلك : أن فيه
ساعة الإجابة وهي الساعة التي لا يسأل اللهَ عبدٌ مسلم فيها شيئا إلا أعطاه ، كما
صح بذلك الحديث [ البخاري كتاب الجمعة باب الساعة التي في يوم الجمعة ، ومسلم 852
] .
وفي تحديد هذه الساعة
أقوال عديدة تزيد على أحد عشر قولا أرجحها أنها آخر ساعة من العصر ، ويشهد له حديث
جابر (( يوم الجمعة اثنا عشر ساعة ، فيها ساعة لا يوجد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا
أعطاه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر )) [ رواه أبو داود 1048 وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي وصححه النووي وحسنه ابن حجر ] .
ومن ذلك: الندب إلى
قراءة سورة الكهف فيه ، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((
من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء به يوم
القيامة ، وغفر له مابين الجمعتين )) [ رواه الحاكم ، انظر الزاد 1/377 ] .
ومن ذلك : استحباب
كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وفي الحديث الحسن عند البيهقي: ((
أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة)), قال ابن القيم رحمه الله: "والرسول
صلى الله عليه وسلم سيد الأنام ، ويوم الجمعة سيد الأيام, فللصلاة عليه في هذا
اليوم مزية ليست لغيره " [ الزاد 1/376 ] .
ومن خصائص الجمعة
كذلك الأمر بالاغتسال فيه ، قال ابن القيم رحمه الله: " وهو أمر مؤكد جداً
" [ الزاد 1/376 ] .
ومن خصائص الجمعة أن
للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام، والصدقة فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع
كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور, قال ابن القيم: " وشاهدت شيخ
الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ ما وجد في البيت من خبز
أو غيره فيتصدق به في طريقه سراً، وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرنا بالصدقة بين
يدي مناجاة رسوله صلى الله عليه وسلم فالصدقة بين يدي مناجاته تعالى أفضل وأولى
بالفضيلة " [ الزاد 1/407 ] .
ومن خصائصه أيضا :
عدم جواز السفر فيه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها ، و" هذا إذا
لم يخف فوت رفقته ، فإن خاف فوت رفقته وانقطاعه بعدهم جاز له السفر مطلقا ، لأن
هذا عذر تسقط به الجمعة والجماعة " [ الزاد 1/383 ] . [ وانظر المغني 3/247 ]
ولا ريب أن من أهم
خصائص هذا اليوم ، وأجلى سماته أداء صلاة الجمعة ، هذه الصلاة التي عظم النبي صلى
الله عليه وسلم من شأنها حتى قال : لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على
رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم )) [ مسلم ] .
ولما كان البعض من
الناس يغفل عن مسائل مهمة تتعلق بهذه الصلاة العظيمة وجب التنبيه إلى ذلك والإشارة
إليه، ولاسيما مع تكرر الشكوى من عدد من الفضلاء من ممارسات تكون وقت الصلاة.
فيستحب للمسلم أن
يلبس يوم الجمعة أحسن الثياب التي يقدر عليها ، وفي سنن أبي داود [ 1078 ] بسند
حسن عن عبد الله بن سلام أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر
يوم الجمعة : (( ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته )) .
" ويسن أن يتنظف
للجمعة بقص شاربه وتقليم أظافره وقطع الروائح الكريهة بالسواك وغيره ، وأن يتطيب
بما يقدر عليه ولو من طيب أهله " [ كشاف القناع 2/651 ] .
و" وقت الغُسل:
بعد طلوع الفجر ، فمن اغتسل بعد ذلك أجزأه ، وإن اغتسل قبله لم يجزئه على الأرجح,
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من اغتسل يوم الجمعة )) واليوم من طلوع
الفجر . وإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل وكفاه الوضوء " [ المغني 3/227 ] .
* كما يستحب فيه تجمير
المسجد وتبخيره، فقد ذكر سعيد بن منصور عن نعيم بن عبد الله المجْمِر أن عمر بن
الخطاب أمر أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار . [ الزاد 1/382 ] .
بارك الله لي ولكم
بالقرآن والسنة, ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة, قد قلت ما قلت وأستغفر الله
لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة
الثانية
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام
على خاتم النبيين, وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن
إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله
عليه وسلم.. ومن مهمات مسائل الجمعة استحباب
التبكير إليها وفي الصحيحين (( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ، ومن راح
في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا
أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة
فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر )) [ البخاري الجمعة باب فضل الجمعة ، ومسلم
850 ] .
وقد ذهب أبو حنيفة
والشافعي أحمد والثوري وغيرهم إلى أن التبكير إليها يكون من أول النهار ، قال
الشافعي رحمه الله : ولو بكر إليها بعد الفجر وقبل طلوع الشمس كان حسنا . [ الزاد
1/400 ] .
قال علقمة : خرجت مع
عبد الله إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال : رابع أربعة ، ومارابع أربعة ببعيد
، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( إن الناس يجلسون من الله عز
وجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة )) [ ابن ماجه ]
وعن سمرة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال : (( احضروا الذكر وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال
يتباعد حتى يؤخر في الجنة وإن دخلها )) [ أبو داود وأحمد ] .
" ودلت السنة
على أن اليمين أفضل من اليسار عند التقارب أو التساوي ، وأما مع البعد فقد دلت السنة
على أن اليسار الأقرب أفضل.
ويجب الإنصات للخطبة, ويحرم الكلام فيها, فإن
ترك الإنصات كان لاغيا ، ومن لغا فلا جمعة له، وعند مسلم: (( إذا قلت لصاحبك أنصت
والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت )) [البخاري ومسلم 851 ] وفي رواية أحمد:
((والذي يقوله لصاحبه أنصت فلا جمعة له )), فعلم من ذلك أن الكلام والإمام يخطب
سبب في ذهاب أجر الجمعة.
" وإذا سمع
الإنسان متكلما لم ينهه بالكلام ... ولكن يشير إليه ، نص عليه أحمد ، فيضع أصبعه
على فيه " [ المغني 3/198 ].
كما أنه يحرم العبث
بما يشغل عن سماع الخطبة, كمس الحصى, أو العبث بسجاد المسجد, أو الانشغال بالهاتف
الجوال, فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من مس الحصى فقد لغى), وإن مما ابتلي
به كثير من الناس اليوم وخصوصًا الشباب منهم التشاغل بالهاتف الجوال أثناء جلوسه
لسماع الخطبة, فينشغل بمراسلة أصحابه, وتبادل النكات والطرائف والمقاطع, وأجره
يضيع, وجمعته تضيع, وهو أعظم ممن يمس الحصى, لأن من مس الحصى فقد ارتكب منهيًا
واحدًا؛ أما من يعبث بجواله فقد شابه من مس الحصى من جهة تعبثه بأزرار جواله,
وشابه من يتكلم في الخطبة بمحادثته لأصحابه.
* " ويستحب أن
يستقبل الناس الخطيب إذا خطب ، قال الأثرم : قلت لأبي عبد الله : يكون الإمام عن يميني
متباعدا فإذا أردت أن أنحرف إليه حولت وجهي عن القبلة ، فقال : نعم تنحرف إليه
،قال ابن المنذر هذا كالإجماع ... وعند ابن ماجه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا
قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم " [ المغني 3/172 ] .
* ومما تجدر الإشارة
إليه في هذا المقام قضية تخطي الرقاب ، فإن البعض غفر الله لنا ولهم لا يولي هذا
الأمر حقه ، ويتساهل فيه, وقد جاء في صحيح البخاري عن سلمان قال : لا يغتسل رجل
يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهور، ويدَّهن من دهنه, أو يمس من طيب بيته, ثم
يخرج فلا يفرق بين اثنين, ثم يصلي ما كتب له, ثم ينصت إذا تكلم الإمام, إلا غفر له
ما بينه وبين الجمعة الأخرى ))
وفي مسند أحمد (( ...
ولم يتخط أحدا ولم يؤذه وركع ما قضي له ثم انتظر حتى ينصرف الإمام ، غفر له مابين
الجمعتين )) [ أحمد في مسند أبي الدرداء ] .
قال العلامة البهوتي
" ويكره أن يتخطى رقاب الناس لما روى أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو
على المنبر رأى رجلا يتخطى رقاب الناس فقال : اجلس فقد آذيت . ولما فيه من سوء
الأدب والأذى, إلا أن يكون إماما فلا يكره أن يتخطى رقاب الناس للحاجة لتعيين
مكانه، وألحق به المؤذن " [ كشاف القناع 2/654 ]
ولكن هاهنا أمرا آخر
ينبغي التنبه له ، وهو أن على من بكر إلى المسجد أن يتقدم إلى الصفوف الأولى ،
وألا يدع أمامه فرجات تضطر من جاء بعده إلى تخطي رقبته .
وبعد .. فهذه نتف من
فضائل وأحكام يوم الجمعة, ولها تتمة في خطبة قادمة بإذن الله, نأتي فيها على ما
تبقى من أحكام هذا اليوم العظيم, أسأل الله تعالى أن يجعلنا فيه من المقبولين, وأن
يتقبل منا في الصلاة والدعاء وسائر العمل.
يا أمة محمد صلى الله
عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة
على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها
مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
عباد الله .. إن الله
يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم
لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر
الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات
إرسال تعليق