الحب الجمعة 14/4/1435هـ

الحمد لله، المتوحد بالعظمة والجلال، المتفرد بالبقاء والكمال، أحمده سبحانه، وأشكره على جزيل الإنعام والإفضال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا إله إلا هو الكبير المتعال. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، المنقذ بإذن ربه من الضلال، والداعي إلى كريم السجايا وشريف الخصال، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، خير صحبٍ وآل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فإن الحب جِبِلَّةٌ في الخلق وفطرة في النفوس, فكل قلب يخفق بحبّ, وكل أذنٍ تطرب بسماع كلام حبيب, لكن فئامًا من الناس خرجوا بالحب عمّا ينبغي أن يكون عليه من المعاني السامية إلى معانٍ أخرى مبتذلة, فتحت مظلة الحب المحرَّم, فانتهكت الحرمات, وارتكبت المحرمات, فأصبح حالهم بين أرق وحَرَق وغرق.
تولَّعَ بالعشق حتى عشـِق        فلمـا استقلَّ به لم يُطِـق
رأى لُجَةً ظنهـا موجـةً           فلمـا تَمكَّن منها غـرق
والسبب الذي أورد كثيرًا من الناس في أتون الحب المحرم هو خواء قلوبهم من الحب الحقيقي, والذي هو حب الله؛ لأن النفس البشرية لو كان لها شغل بالخالق لما أحبت المزاحمة بما يسخطه, وما تعلق قلب بغير الله إلا بَاءَ ذِلَةً وقِلَّةً وهوانًا، فالله تعالى هو المستحق لكمال المحبة, فقد أطعم من جوع, وكسا من عُري, وآمن من خوف.
حب الله يورث سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: ((من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب, وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَ إِليَّ مما افترضته عليه, وما يزال يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه)) رواه البخاري.
من أحبَّ اللهَ أحبَّ لقاء اللهِ, ومن أحبَّ لقاء اللهِ أحبَّ اللهُ لقاءَه. هذا حرام بن ملحان يُطعن بالرمح من خلفه يوم أُحدٍ, حتى نفذ من بطنه, فيفرغ الدم على وجهه ويقول: فزت ورب الكعبة. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله, وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقْذَفَ في النار)) متفق عليه.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. المصطفى صلى الله عليه وسلم حبيب رب العالمين وخليله, جعل الله حبه أساسًا في الإيمان وأصلاً, فلا يتم الإيمان إلا إذا كان صلى الله عليه وسلم أحب إليك من مالك وولدك ونفسك والناس أجمعين, كم حزنت نفوسٌ أنها لم تحظ بلقياه ولم تكتحل عيونهم برؤياه, ولكن يا ترى من يصدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مِن أشد أمتي لي حبًا ناسٌ يكونون بعدي, يَوَدُّ أحدهم لو رآني بأهله وماله)) رواه مسلم.
روى أهل العلم من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب للنبي صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه, فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه, فقال له صلى الله عليه وسلم: ((ما غير لونك يا ثوبان؟)) فقال: يا رسول الله، ما بي من مرض ولا وجع, غير أنني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك, ثم ذكرت الآخرة, فأخاف أن لا أراك, لأنك سترفع مع النبيين, وإني إن دخلت الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك, وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا, فنزل قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69]. ما أحبَّ أحدٌ من الناس أحدًا كحب أصحاب محمدٍ محمدًا صلى الله عليه وسلم, كانوا يحبونه أشدَّ من حبهم للماء البارد في اليوم القائظ, فكانت كل مصيبةٍ بعده جلل.
إذا كنت تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبشر بمثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل من أهل البادية يسأله عن الساعة, قال: ((ويلك، ما أعددت لها؟)) قال: ما أعددت لها كثير صوم ولا صلاة ولا صدقة إلا أنيّ أحب الله ورسوله, قال: ((فإنك مع من أحببت))، قال راوي الحديث: قلنا: ونحن كذلك؟ قال: ((نعم))، قال: ففرحنا فرحًا شديدًا يومئذ. متفق عليه.
لم يكن حب النبي صلى الله عليه وسلم مما انفرد به أصحابه عن غيرهم, بل إن جذع النخلة التي كان يخطب عليها وتركها لما صُنِعَ له المنبر حنَّ لفراقه, وخارَ خُوَارَ الناقة العُشَرَاء, وما هدأ حتى نزل الحبيب صلى الله عليه وسلم من على منبره وسكَّنه.
الأخوَّة الإسلامية من روابط المحبة الوثقى بين المسلمين, فمَثلُهُم في التوَاد والتراحم كمثل الجسد الواحد, وهم لبعضٍ كالبنيان يشد بعضه بعضًا، ومحبة المسلمين فيما بينهم يجب أن تكون لله وفي الله, لا تبنى على عوارض الدنيا وأغراضها, ففي الحديث أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ((رجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وعليه تفرقا))؛ لأنه حينما يكون الإخاء خالصًا لله والوُد قائمًا على الإيمان بالله والترابط يَشُدُ عراه حبل الإيمان يكون من ثماره مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من عباد الله أناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء, يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله)), قالوا: يا رسول الله، أخبرنا من هم؟ قال: ((هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها)) رواه أبو داود.
أحبُّ الصالحين ولست منهم          لعلي أن أنال بهم شفاعـة
وأكره من تجارته المعاصـي                    وإن كنا سواءً في البضاعة
من المحبة الجبلِّيَّة تلك المودة الكامنة بين الزوجين: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21].
وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أمته أن حُبَّ الرجل لزوجته من مكارم الأخلاق, فيظهر حبه لزوجته ولا يكتمه, وذلك لمَّا سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه: يا رسول الله، أيُّ الناس أحبُ إليك؟ قال: ((عائشة))، قال: فمن الرجال؟ قال: ((أبوها)) متفق عليه. وهي رضي الله عنها تقول له صلى الله عليه وسلم: والله إني لأحبك وأحب قربك. ففي الحب الحلال للزوجة والأهلِين كفايةٌ وغنيةٌ عن الحرام, وأيُّ امرئ أبى الحلال فليعلم أنه مفتون.
إخوة الإسلام، ومما تعارف المسلمون وتواطؤوا على حبه بقاع شتى؛ لأن من تمام الحب حب محبوبات الله, فأفضل البقاع إلى الله المساجد, وأبغضها إليه الأسواق, وأحب أرض الله إلى الله مكة, وقد دعا محمد صلى الله عليه وسلم للمدينة فقال: ((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا لمكة أو أشد))، وإن تعجبوا فعجب أن يكون الصخر الجلمد الأصم يُحِبُّ, ويزول العجب بسماع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحد جبل يحبنا ونحبه)).
وأما حديث: (حب الأوطان من الأيمان) فإنه حديث ضعيف لا أصل له, وإنما تحنُّن الناس إلى أوطانهم معهود, كما الطير إلى وكره ومنشئه, ولكن الحذر كل الحذر من أن تُتَّخَذ هذه المحبة وسيلةً لهدم عرى الأخوة الإسلامية, بل وطننا هو الوطن الإسلاميُّ الكبير, فلا موالاة ومعاداة على بقعة من الأرض صغيرة:
وأينما ذكر اسم الله في بلد          عددت أرجاءه من لب أوطاني
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, قد قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ , وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا وَإِمَامِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
أَمَّا بَعْدُ: مظاهر أخرى من الحب ينبغي أن تعلم فتُجتَنَب, مثل الحب والتعلق بالبشر أو الحجر من الطواغيت والأنداد من دون الله, أو محبة غير المسلمين من اليهود والنصارى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1].
أجل فكرك في أصدقائك وأصحابك وأحبائك, وتذكر أن كل محبة في الدنيا لم تكن لله تنقلب في الآخرة إلى عداوة وبغضاء: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً} [الفرقان: 27-29]، وقال سبحانه: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67].
ينبغي في المحبة أن تنهج نهج الوسطية والاعتدال, أخذًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ((أحبب حبيبك هونًا ما عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما)) رواه البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه وأبو داود والترمذي.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن من الملوثات التي لحقت بأمة الإسلام من الكفار احتفال جمع من أبناء المسلمين وبناتهم بما يعرف بعيد الحب, الذي تواطؤوا على الاحتفال به في مثل هذا الشهر الميلادي من كل عام, فيتبادلون فيه التهاني والورود الحمراء, ويحتفلون بالحب والصداقة زعموا, ويحرصون على لبس الأحمر كما الحال في ديار الكفار, وما علموا أن عيد الحب ـ أو الفالنتاين كما يسمى ما هو إلا احتفال ديني خاصّ لدى النصارى, وتخليد لذكرى إحدى الشخصيات النصرانية وهو القس فالنتاين, الذي كان له دور بارز في دين النصارى في القرن الثالث الميلادي.
فما لنا ولأعيادهم؟! وما بالنا نتبعهم في جحورهم فأعياد المسلمين اثنان لا ثالث لهما: عيد الفطر، والأضحى.
ينبغي أن يدرك المسلمون أن عليهم العيش قادة لا منقادين, ومتبوعين لا تابعين؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن أكثرهم لا يعلمون.
((لتتبعنّ سَننَ من كان قَبلَكم حَذوَ القذّة بالقذّة، حتى لَو دَخَلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه))، قالوا: يا رسولَ الله، اليَهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!)) رواه البخاريّ ومسلم،
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك, اللهم ما رزقتنا مما تحب فاجعله لنا قوة فيما تحب, وما صرفته عنا مما نحب فاجعله انصرافًا إلى ما تحب.

 يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة