التعالم الجمعة 4/3/1433هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: فإن الله تعالى قد خلق البشر, وجعلهم متفاوتون في الفضل, جعل الله تعالى أفضل البشر هم الأنبياء, ثم إن الأنبياء قد ماتوا وورَّثوا إرثاً فمن أخذه صار من ورثة الأنبياء, ألا وهو العلم, عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه خرج إلى السوق بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم, فرأى حال الناس فيه وهو يبتاعون ويشترون, فنادى في سوق المدينة بأن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد وأنتم ها هنا! فلما ذهبوا ولم يجدوا شيئًا رجعوا وأخبروه, فقال لهم: وما رأيتم في المسجد؟ قالوا: رأينا قومًا يصلون, وقومًا يقرؤون القرآن, وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام, فقال لهم أبو هريرة: ويحكم فذاك ميراث محمد صلى الله عليه وسلم.
بتعلم علم الشريعة يرفع الله المرء: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات), وأخرج البخاري ومسلم من حديث معاوية بن أبي صفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين"
كان ابن مسعود رضي الله عنه إذا رأى طلاب العلم قال:" مرحبًا بكم ينابيع الحكمة, خلقان الثياب, جدد القلوب, رياحين كل قبيلة", وقال علي رضي الله عنه: "كفى بالعلم شرفًا أن يدعيه من لا يحسنه, ويفرح به إذا نسب إليه, وكفى بالجهل ضعة أن يتبرأ منه من هو فيه , ويغضب إذا نسب إليه.
العلم أنفس شيء أنت داخره                من يدرس العلم لم تَدرُس مفاخره
أقبل على العلم واستقبل مقاصده            فأول الــــــــــــــــعلم إقبـــــــــــــــــــــــــــال وآخره
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. إن أمرًا بهذه المنزلة والمكانة لهو أمر عظيم, وجدير صاحبه بالاحترام والتعظيم, ولقد انتسب كثير من الجهلة والمتعالِمين إلى ركب العالِمين, فانغر بهم الفئام, وتصدروا في وسائل الإعلام, فلذلك يجدر بنا أن نتعرف على إجابة سؤال مهم: " من هم العلماء؟".
إن العلماء هم العارفون بشرع الله, المتفقهون في دينه, العاملون بعلمهم على هدىً وبصيرة, الذين وهبهم الله الحكمة, (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا).
العلماء هم ورثة الأنبياء, ورثوا عنهم العلم, فهم يحملونه في صدورهم, وينطبع في الجملة على أعمالهم, ويدعون الناس إلى صلاح دينهم ودنياهم.
العلماء هم الفرقة التي نفرت من هذه الأمة لتتفقه في دين الله, ثم تقوم بواجب الدعوة, ومهمة الإنذار, ( وماكان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
العالم الحق هو من زاده علمه هدى, وزاد سيرته عدلاً, وأخلاقه حسنًا:
إذا لم يزد علم الفتى قلبه هدى                وسيرته عدلاً وأخلاقه حسنًا
فبشـــــــــــــــــــــــــــــــــــره أن الله أولاه فتنة        تغشيه حرمانًا وتوسعه حزنًا
إن العلماء يعرفون بعلمهم, يعرفون برسوخ أقدامهم في مواطن الشبه, حيث تزيغ الأقدام فلا يسلم إلا من آتاه الله العلم, يقول البن القيم رحمه الله: "إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر مازلت يقينه ولا قدحت فيه شكًا, لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات, بل إذا وردت عليه ردها حَرَسُ العلم وجيشه مغلولة مغلوبة".
إن العلماء يعرفون بجهادهم في سبيل كلمة الحق, ودعوتهم إلى الله عز وجل وبذلهم الأوقات والجهود في سبيل الله, يعرف العلماء بنسكهم وخشيتهم لله, لأنهم أعرف الناس بالله: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).
يعرف العالم بشهادة مشايخه له بالعلم, فقد دأب علماء المسلمين على توريث علومهم لتلاميذهم, ولا يتصدر هؤلاء التلاميذ حتى يروا إقرار مشايخهم لهم بالعلم, وإذنهم لهم بالتصدر والإفتاء, قال الإمام مالك: "لا ينبغي لرجل يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من كان أعلم منه, وما أفتيت حتى سألت ربيعة ويحيى بن سعيد فأمراني بذلك, ولو نهياني لانتهيت", وقال رحمه الله: "ليس كل من أحب أن يجلس في المسجد للتحديث والفتيا جلس, حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل, فإن رأوه أهلاً لذلك جلس, وما جلست حتى شهد لي سبعون شيخًا من أهل العلم أني موضع لذلك" ا.هـ. تأمل كلام هذا الإمام, وتأمل حال بعض من يتصدر الإعلام هذه الأيام, ممن ينهاهم العلماء وأهل الفضل عن التصدر والإفتاء لعدم أهليتهم فيصرون على التصدر ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومما يدل على علم العالم وفضله: دروسه وفتاويه ومؤلفاته, فإذا رأيته يؤلف فيما ينفع الناس ويقيم عليهم دينهم, ويرفع من إيمانهم, ويقربهم إلى ربهم, يستند في ذلك إلى ما قال الله وإلى ما قال رسوله صلى الله عليه وسلم, وفق فهم القرون المفضلة الأُوَل, فهذا دلالة علمه, وإذا رأيته يوظف آي الكتاب والسنة مزهدًا للناس في الخير, ومفرقًا كلمة المسلمين, وداعيًا إلى الخلاف, وتمييع الدين, فاعلم أنه جاهل مركب. كحال من يعرف بالتاريخ بالحكيم توما, والحكيم هو الطبيب بلغة العرب, وقصته أنه كان يأخذ طبه من الكتب, فقرأ في كتاب: (الحبة السوداء شفاء من كل داء), فتصحفت عليه كلمة (الحبة) بزيادة نقطة في بائها فصارت (الحية السوداء), فكان يأمر كل من جاءه عليلاً بأن يأكل حية سوداء فمات بسببه خلق كثير:
قال حمار الحكيم توما               لو أنصفوني كنت أركب
فأنا جاهل بسيط                   وصاحبي جاهل مركب
 يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..  قد قيل: "من البلية تشيخ الصحفية" أي من يأخذون علمهم عن الكتب دون الشيوخ, ويؤثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "العلم نقطة كثرها الجاهلون", وقيل لسفيان الثوري رحمه الله فيمن حدث قبل أن يتأهل فقال: " إذا كثر الملاحون غرقت السفينة", قال ابن حزم رحمه الله: "لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها, فإنهم يجهلون, ويظنون أنهم يعلمون, ويفسدون ويُقَدِّرون أنهم يصلحون" يقول الشافعي رحمه الله تعالى: "فالواجب على العالِمين أن لا يقولوا إلا من حيث علموا, وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به, وأقرب من السلامة له إن شاء الله"
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَنَفَعَنِي اللهُ وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهَما مِن الْعِلْمِ وَالإِيمانِ وَالْحِكْمَةِ !
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ , اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ الهَادِي الْبَشيرِ والسِّرَاجِ الْمُنِيرِ وَعَلَى آلِه وَأَصْحَابِهِ وَزَوْجَاتِهِ وَعَلَى مَنْ عَلَى طَرِيقِهِم يَسِيرُ وَسَلِّمْ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً .
أَمَّا بَعْدُ : فاتقوا الله عباد الله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. لو أن إنسانًا حدث به مرض لوجدته يسأل عن أمهر الأطباء في تشخيص مرضه, ويتحراه ويسعى إليه بكل ما أوتي من إمكانية, ونجد كثيرًا من الناس لا يتحرون في السؤال عن دينهم, بل يسألون أي أحد.. هذا إن سألوا, إذا كان الأطباء هم أطباء للأبدان.. فالعلماء هم أطباء الأديان, يقول ابن سيرين رحمه الله: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".
ليس كل من أعفى لحيته أوقصر ثوبه أصبح أهلاً لفتوى, ليس كل قارئ للقرآن أو واعظ مؤهلاً للفتوى, مع وجود مؤهلين للفتوى من القراء والوعاظ, والواجب على كل من شرفه الله بالتحلي بسمت الصالحين إذا سئل عن مسألة لا يعلمها أن يقول لا أعلم, فلا أدري طب العجب, والله تعالى يقول: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) فلا يلزم أن يكون المرء عالمًا بكل مسألة, وقد قيل: "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله", سئل الشعبي عن مسألة فقال: لا أعلم! فقيل له: ألا تستحي؟ قال: ولِم أستحي مما لم تستح منه الملائكة حين قالت: لا علم لنا, من حدث قبل حينه اُفتضح في حينه:
كل من يدعي بما ليس فيه                  فضحته شواهد الامتحان
ليست المناصب دليلاً على علم الشخص, فكم من عالم في تاريخ الأمة تصدر وعلا ذكره وأصبح إمامًا للأمة كلها وهو لم يعرف بالمناصب, ومالإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية إلا مثلان لهذا التاريخ الطويل في الأمة, يقول شيخ الإسلام رحمه الله: " المنصب والولاية لا يجعل من ليس عالماً مجتهدًا, عالمًا مجتهدًا, ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين, وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين".
مع أن هذا لا يعني أن كل من عين في منصب علمي ليس بعالم, بل المراد أن المنصب ليس دليلاً على العلم.
جاء في الحديث: "من طلب علمًا مما يبتغى به وجه الله ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" يعني ريحها, العلم يراد به وجه الله والدار الآخرة, فإذا طلبه الإنسان للدنيا فإن حسابه عسير, بل إنه من أول حطب جهنم.
يا أيـــــــــــــــــــــــها الرجل المـــــــــــــــــــــــــــــــــعلم غيره            هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى       كيما يصح به وأنت سقيم
ونراك تصلح بالرشاد عقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــولنا           أبدًا وأنت من الرشاد عديم
فابدأ بنفسك فانهها عن غــــــــــــــــــــــــــــــــــيها          فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويُــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهتدى          بالقول منك وينفع التعليـــــــــم
لا تنه عن خلق وتأتي مثــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــله          عار عليك إذا فعلت عظيم
فاللهم اجعلنا ممن يتعلم ما ينفع, ويعمل بما يعمل, وأصلح نوايانا يا رب العالمين.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة