حال السلف مع الصلاة الجمعة 27/10/1433هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}, {ياَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً},(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).
أما بعد: المكان: مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم..
الزمان: السنة الثالثة والعشرين من الهجرة..
وهاهو أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتّى إِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ جَعَلَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، وَيَقُولُ: اسْتَوُوا.. حَتَّى إِذَا لَم يَرَ فِيهِمْ خَلَلاً تَقَدَّمَ فَكَبَّرَ لِصَلاَةِ الفَجْرِ، وَالنَّاسُ لاَ يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الظَّلاَمِ.
وَفِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ يَنْطَلِقُ مِنْ طَرَفِ الصَّفِّ رجل بسرعة شديدة نَحْوَ الخَلِيفَةِ وَمَعَهُ خِنْجَرٌ ذَاتُ طَرَفَيْنِ فَيوَسُّطُهَا بَطْنَ الفَارُوقِ رضي الله عنه، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِعدة طَعَنَاتٍ..
وَيَسْقُطُ الفَارُوقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مُضْرَجًا بِدِمَائِهِ وَيَنْقَطِعُ صَوْتُهُ عَنِ النَّاسِ، فَجَعَلَ مَنْ كَانَ فِي خَلْفِ الصُّفُوفِ أَوْ أَطْرَافِهَا يُسَبِّحُونَ، سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ.
وَانْطَلَقَ المجرم المَجُوسُيُّ أَبُو لُؤْلُؤَةُ يَشُقُّ الصُّفُوفَ لاَ يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ طَعَنَهُ بِخِنْجَرِهِ المَسْمُومِ يمينا وشمالا حَتَّى طَعَنَ ثَلاثَةَ عَشْرَ رَجُلاً فَتَقَدَّمَ نَحْوَهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَطَرَحَ عَلَيْهِ رداء لَهُ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمَّا تَيَقَّنَ المَجُوسُيُّ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ لاَ مَحَالَةَ نَحَرَ نَفْسَهُ بِالسِّكِّينِ ذَاتِهَا.
وَيُحْمَلُ الفَارُوقُ إِلَى بَيْتِهِ وَقَدْ أُغْشِي عَلَيْهِ وَجُمُوعُ النَّاسِ تَتَقَاطَرَ إِلَى دَارِهِ وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الخَوْفُ كُلَّ مَبْلَغٍ وَيَجْتَمِعُ الصَّحَابَةُ عَلَى رَأْسِ عُمَرَ وَقَدْ أَسْفَرَ الصُّبْحُ.
فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ بِاسْمِهِ وَلَقَبِهِ: يا عمر يا أمير المؤمنين يا أبا حفص وَعُمَرُ لَا يَرُدُّ لَهُمْ كَلَامًا، فَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَ عُمَرَ: إِنَّكُمْ لَنْ تَفْزَعُوهُ بِشَيْءٍ مِثْلَ الصَّلاةِ، فَقَالُوا: الصَّلَاةُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ الصَّلَاةُ، فَانْتَبَهَ عُمَرُ مِنْ غَشْيَتِهِ، وَفَتَحَ عَيْنَهُ، وَقَالَ: الصَّلَاةُ وَاللهِ..
ثُمَّ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَصَلَّى النَّاسُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: لاَ حَظَّ فيِ الإِسْلامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ دَعَا بِالمَاءِ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى وَجُرْحُهُ يَنْزِفُ دَمًا رضي الله عنه وأرضاه..
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. هَكَذَا كَانَ حَالُ سَلَفِنَا مَعَ صَلاَتِهِمْ حَتَّى وَهُمْ يُفَارِقُونَ الحَيَاةَ كانت الصلاةُ مَبلغَ همِّهم ، وغايةَ اهتمامهم، كَيْفَ لاَ وَقَدْ سَمِعُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُوَدِّعُ الدُّنْيَا وَنَفْسُهُ تُعَالِجُ سَكَرَاتِ المَوْتِ: "الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ".
إن حديثنا اليوم عَنْ أَحْوَالِ مَنْ سَبَقَنَا وَأَخْبَارِ سَلَفِنَا مَعَ أَعْظَمِ شَعِيرَةٍ وَأَوْجَبِ فَرِيضَةٍ، نَقِفُ مَعَ صَفَحَاتٍ مُضِيئَةٍ تُتَرْجِمُ لَنَا بِلِسَانِ الْحَالِ شَأْنَ هَذِهِ الصَّلَاةِ عِنْدَ صَالِحِي أُمَّتِنَا.
فَلَعَلَّ قُلُوبَنَا مَعَ أَخْبَارِهِمْ تَسْتَيْقِظُ مِنْ غَفْلَتِهَا، وَلَعَلَّ هِمَمَنَا بَعْدَ سَمَاعِ أحَوْالَهِمِ تَتَحَرَّكُ مِنْ سُبَاتِهَا، فَتَرَاجِمُ الرِّجَالِ مَدَارِسُ الْأَجْيَالِ، وَرُبَّمَا كَانَتِ الْقِصَّةُ أَبَلَغَ مِنَ الْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ.
وَفِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:(فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ)
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الصَّفْحَةُ الأُولَى: تَعَلُّقُ قُلُوبِ السلف بِالصَّلَاةِ..
إن هَذِهِ القُلُوبَ البَشَرِيَّةُ إِذَا أَحَبَّتْ شَيْئًا تَعَلَّقَتْ بِهِ وَهَامَتْ شَوْقًا إِلَيْهِ وَهَكَذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ مَعَ أَهْلِهَا الخَاشِعِينَ فَهِيَ مَلاذُهُمْ وَأُنْسُهُمْ وَرَاحَتُهُمْ، فَهَذَا إِمامُ العَابِدِينَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فُزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ وَمِنْ حُبِّهِ وَتَعَلُّقِهِ بِهَا كَانَ يَقُولُ لِبِلاَلٍ: "أَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ يَا بِلاَلُ".
سَمِعَهُ النَّاسُ مِرَارًا وَهُوَ يَقُولُ: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"، وَهَا هُوَ الخَلِيفَةُ الصَّالِحُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ شَهِدَ لَهُ أَهْلُ عَصْرِهِ أَنَّهُ كَانَ قَوَّامًا بِالصَّلَاةِ مُتَعَلِّقًا بِهَا تَعَلُّقًا يَعِزُّ نَظِيرُةُ.
رَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ زَوْجَةَ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَتْ لِلثُّوَّارِ الَّذِينَ حَاصَرُوا دَارَهُ: إِنْ تَقْتُلُوهُ أَوْ تَتْرُكُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ يَجْمَعُ فِيهَا القُرْآنَ.
وَهَذَا حَبْرُ الأُمَّةِ وَتَرْجُمَانُ القُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَابُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ بِالعَمَى، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ "نُدَاوِيكَ عَلَى أَنْ تُصَلِّيَ مُسْتَلْقِيًا"؛ يَعْنِي أَنَّهُ سَيَتْرُكُ السُّجُودَ وَالجَمَاعَةَ أَيَّامًا، فَاخْتَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ العَمَى؛ لِأَنَّ صَلاةَ الجَمَاعَةِ وَتَمْرِيغَ وَجْهِهِ بِالسُّجُودِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ بَصَرِهِ.
وَيُصَوِّرُ لَنَا عُدَيُّ بْنُ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَعَلُّقَهُ بِالصَّلَاةِ فَيَقُولُ: "مَا جَاءَ وَقْتَ صَلاَةٍ قَطُّ إِلاَّ وَقَدْ أَخَذْتُ لَهَا أُهْبَتَهَا وَمَا جَاءَتْ إِلاَّ وَأَنَا إِلَيْهَا بِالأَشْوَاقِ"؛ أَخْرَجَهُ ابْنُ المُبَارَكِ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الصَّفْحَةُ الثَّانِيَةُ: شِدَّةُ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ: أَمَرَ المَوْلَى بِالمُحَافَظَةِ عَلَى هَذِهِ الشَّعِيرَةِ العَظِيمَةِ؛(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاة الْوُسْطَى)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)، وَتَوَاتَرَتِ الأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فَضْلِ المُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ.
عَرَفَ هَذَا الفَضْلَ حَقًّا وَتَمَثَّلَهُ صِدْقًا سَلَفُ أُمَّتِنَا، فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ: "مَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مُنْذُ أَسْلَمَتُ إِلاَّ وَأَنَا عَلَى وَضُوءٍ".
وَهَذَا إِمَامُ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، يَقُولُ لَهُ أَحَدُ أَصْحَابِهِ: لَوْ تَبَدَّيْتُ - يَعْنِي عِشْتُ فِي البَادِيَةِ - فَقَالَ: فَكَيْفَ بِشُهُودِ العَتَمَةِ - أَيِ العِشَاء.
وَحِينَ نَزَلَتْ بِسَعِيدٍ سَكَرَاتُ المَوْتِ وَقَفَ عِنْدَ رَأْسِهِ بُنْيَّاتُهُ يَبْكِينَ فِرَاقَهُ وَوَدَاعَهُ، فَقَالَ لَهُنَّ: "أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللهِ، فَوَاللهِ مَا فَاتَتْنِي تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ فِي هَذَا المَسْجِدِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً".
وهذا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونَ المَرُّوزِيُّ أَحَدُ رِجَالاتِ الحَدِيثِ كَانَ يَعْمَلُ صَائِغًا فَكَانَ إِذَا رَفَعَ المِطْرَقَةَ فَسَمِعَ النِّدَاءَ وَضَعَهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا.
ثَابِتُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْداللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ كَثِيرًا مَا يَدْعُو: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ المَيْتَةَ الحَسَنةَ"، قَالُوا: وَمَا المَيْتَةُ الحَسَنَةُ؟ قَالَ: "أَنْ يَتَوَفَّانِي اللهُ وَأَنَا سَاجِدٌ".
وَصَدَقَ مَعَ اللهِ، فَبَلَّغَهُ اللهُ مُنَاهُ فَنَزَلَتْ بِهِ سَكَرَاتُ المَوْتِ قَبْلَ صَلاةِ المَغْرِبِ حَتَّى إِذَا ذَلِفَ سَمْعُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ قَالَ: احْمِلُونِي إِلَى المَسْجِدِ، قَالُوا: عَذَرَكَ اللهُ وَأَنْتَ مَرِيضٌ، قَالَ: أَسْمَعُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، ثُمَّ لاَ أُجِيبُ! احْمِلُونِي إِلَى المَسْجِدِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى أَكْتَافِهِمْ..
فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ قَاعِدًا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ قُبِضَتْ رُوحُهُ إِلَى بَارِئِهَا عَلَى خَاتِمَةٍ عَاشَ عَلَيْهَا وَمَاتَ عَلَيْهَا.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم,إنه هو الغفور الرحيم.
:: الخطبة الثانية ::.
الحمد لله أهل الحمد والثناء, والمتفرد برداء الكبرياء, المتوحد بصفات المجد والعلاء, له الصبر على السراء والضراء, وله الشكر على البلاء والنعماء, وأصلي وأسلم على محمد خاتم الأنبياء, وعلى آله البررة الأتقياء
أما بعد:فاتقوا الله عباد الله ولا موتن إلا وأنتم مسلمون.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. ومازلنا نقلب صفحات من أحوال سلفنا الصالح مع صلاتهم وصلتهم بربهم, ومع الصَّفْحَةِ الثَّالِثَةِ: شِدَّةِ تَحَسُّرِهِمْ عَلَى فَوْتِ الصَّلَاةِ:
فقد كَانَتْ تَتَحَسَّرُ نُفُوسُهُمْ وَتَتَلَوَّعُ أَفْئِدَتُهُمْ إِذَا فَاتَتْهُمْ صَلاَةُ الجَمَاعَةِ، كَانَ الوَاحِدُ مِنْهُمْ يَعِيشُ غَمًّا أَيَّامًا عِدَّةً؛ لِأَنَّهُ مَا أَدْرَكَ الجَمَاعَةَ، كَانَ أَحَدُهُمْ يَبْكِي كَالطَّفْلِ إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ، بَلْ كَانُوا يَعُدُّونَ تَرْكَ الجَمَاعَةِ مِنْ إِحْدَى الكُبَرِ.
فهَذَا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْشَغِلُ هُوَ وَصَحَابَتُهُ بِقِتَالِ المُشْرِكِينَ عَنْ يَوْمِ الخَنْدَقِ، حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ صَلاَةِ العَصْرِ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهَا المُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ النَّبِي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ مُتَحَسِّرًا وَمُتَأَلِّمًا وَدَاعِيًا عَلَى الكُفَّارِ: "شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الوُسْطَى مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا".
أَمَّا الصَّحَابِيُّ العَابِدُ عَبْدُاللهِ بْنُ عُمَرَ فَقَدْ فَاتَتْهُ صَلاَةُ العِشَاءِ مَعَ الجَمَاعَةِ فَأَحْيَا كُلَّ لَيْلِهِ بِالصَّلَاةِ تَحَسُّرًا عَلَى فَوَاتِ أَجْرِهِ.
وَهَذَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِالعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ إِمَامُ الشَّامِ فِي عَصْرِهِ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ صَلاةُ الجَمَاعَةِ بَكَى رَحِمَهُ اللهُ.
وَكَانَ سَلَفُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ يَعُدُّونَ تَضْيِيعَ الصَّلَاةِ مِنْ أَعْظَمِ الخَطِيئَاتِ وَمِنْ عَلامَاتِ النِّفَاقِ، كَتَبَ الفَارُوقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - إِلَى أُمَرَائِهِ وَعُمَّالِهِ فِي الأَمْصَارِ: "إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ وَمَنْ نَامَ عَنْهَا فَلاَ نَامَتْ عَيْنُهُ".
وهَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يُحَدِّثُنَا عَنْ رَأْيِ أَهْلِ عَصْرِهِ فِيمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الصَّلَاةِ فيَقُولُ: "وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْها إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يُهَادِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ"؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: "كُنَّا إِذَا فَقَدْنَا الرَّجُلَ فِي الفَجْرِ أَوِ العِشَاءِ أَسَأْنَا بِهِ الظَّنَّ"؛ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. الصَّفْحَةُ الرَّابِعَةُ: خُشُوعُهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَإِحْسَانُهُمْ فِيها:
وَحَقِيقَةُ الخُشُوعِ هُوَ خُضُوعُ القَلْبِ للهِ مَهَابَةً وَتَوْقِيرًا وَتَذَلُّلاً، وهَذَا الخُشُوعُ هُوَ لُبُّ الصَّلَاةِ، وَهُوَ مِعْيَارُ القَبُولِ فِيهَا، وَفِي الحَدِيثِ: "إِنَّ العَبْدَ لَيُصَلِّي بِصَلاَةٍ مَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلاَّ عُشْرَهَا، تُسْعُهَا، ثُمْنُهَا، سُبْعُهَا، سُدُسُهَا، خُمْسُهَا، رُبْعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا".
كَانَ خَبَرُ سَلَفِنَا مَعَ الخُشُوعِ عَجَبٌ مِنَ العُجَابِ، فَقُلُوبُهُمْ قَدْ تَنَاهَى لينُهَا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ،
فهذا صديق الأمة كان رجلا أسيفا ، إذا صلى بالناس فلا يكاد يسمع صوته من البكاء والخشية .
وقرأ عمر في صلاة الفجر سورة يوسف حتى إذا بلغ ( إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) بكى ونشج طويلا ، حتى سُمع نشيجه من آخر الصفوف.
عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ المُلَقَّبُ بِزَيْنِ العَابِدِينَ كَانَ يُصَلِّي فِي المَسْجِد فَانْصَدَعَ أَحَدُ أَرْكَانِ المَسْجِدِ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ وَمَضَى فِي صَلاَتِهِ فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْهَا قَالَ: مَا هَذِهَ الغَبْرَةُ؟ قَالُوا: أَمَا سَمِعْتَ المَسْجِد قَدْ سَقَطَ، قَالَ: لَمْ أَشْعُرْ بِذَلِكَ كُنْتُ فِي شُغُلٍ عَنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ بَعْدَمَا كَبُرَ وَضَعُفَ يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ فَيَقْرَأُ مِئَتَيْ آيَةٍ مِنَ البَقَرَةِ وَهُوَ قَائِمٌ لَا يَزُولُ.
تِلْكَ عِبَادِ اللهِ بَعْضُ الصَّفَحَاتِ المُضِيئَةُ وَالصُّوَرِ البَرَّاقَةُ مِنْ سِيَرِ أَسْلاَفِنَا مَعَ صَلاتِهِمْ وَشَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ وَالأَخْبَارُ كَثِيرَةٌ، فَإِنْ أَعْجَبَتْكَ يَا عَبْدَ اللهِ فِعَالُهُمْ فَكُنْها تَكُنْ مِثْلَ مَا يُعْجِبُكَ فَلَيْسَ عَلَى الجُودِ وَالمَكْرُمَاتِ إِذَا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يُحْجُبُكَ.
يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. اعلموا أن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا, واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك, وهيء لهم البطانة الصالحة الناصحة, واصرف عنهم بطانة السوء والفساد والإفساد يا رب العالمين.
اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.
 اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميع كريم مجيب.

عباد الله .. إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى, وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي, يعظكم لعلكم تذكرون, فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.

تعليقات

المشاركات الشائعة